ابن الجوزي

524

كتاب ذم الهوى

قال شبابة : فاضتللت إبلا لي فخرجت في طلبها ، فبينا أنا أسير في الرمال ، إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف : يا ابن الوليد ألا تحمون جاركم * وتحفظون له حقّ القرابات عهدي إذا جار قوم نابه حدث * وقوه من كلّ مفروج الملمّات هذا أبو مالك الممسي ببلقعة * مع الضّباع وآساد وغابات طليح شوق « 1 » بنار الحب محترق * تعتاده زفرات إثر لوعات أمّا النهار فيضنيه تذكّره * والليل مرتقب للصبح هل يأتي يهذي بجارية من عذرة اختلست * فؤاده فهو منها في بليّات فقلت : دلّني عليه رحمك اللّه ، قال : نعم ، اقصد الصوت ، فلما قصدت ، سمعت أنينا من خباء ، فإذا قائل يقول : يا رسيس الهوى أذبت فؤادي * وحشوت الحشا عذابا أليما فدنوت فقلت : أبو مالك ؟ قال : نعم ، فقلت : ما بلغ بك ما أرى ؟ قال : حبي سعاد ابنة أبي الهيذام العذري ، شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا ، فاحتملني إلى هذا الوادي منذ بضع عشرة سنة ، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده . فقلت : إني أصير إلى أهلها فأخبرهم بما رأيت . قال : أنت وذلك ، فانصرفت ، فأخبرتهم ، فرقّوا له فزوجوه بحضرتي ، فرجعت إليه أفرّج عنه ، فلما أخبرته الخبر ، حدّد النظر إليّ ثم تأوّه تأوّها شديدا بلغ من قلبي ، ثم قال : الآن إذ حشرجت نفسي وحاضرها * فراق دنيا وناداها مناديها ! ثم زفر زفرة فمات ، فدفنته في موضعه ، ثم انصرفت ، فأخبرتهم الخبر ،

--> ( 1 ) الطليح : المتعب المهزول .